الجصاص
144
أحكام القرآن
ونسئت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة إذا دفعتها في السير لأنك زجرتها عن التأخر ، والمنسأة العصا التي ينسأ بها الأذى ويزجر ويساق بها فيمنع من التأخر . ومراد الله تعالى ذكره النسيء في هذا الموضع ما كانت العرب تفعله من تأخير الشهور ، فكان يقع الحج في غير وقته واعتقاد حرمة الشهور في غير زمانه ، فقال ابن عباس : " كانوا يجعلون المحرم صفرا " ، وقال ابن أبي نجيح وغيره : " كانت قريش تدخل في كل ستة أشهر أياما يوافقون ذا الحجة في كل ثلاث عشرة سنة ، فوفق الله تعالى لرسوله في حجته استدارة زمانهم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، فاستقام الاسلام على عدد الشهور ووقف الحج على ذي الحجة " . وقال ابن إسحاق : " كان ملك من العرب يقال له القلمس واسمه حذيفة أول من أنسأ النسيء ، أنسأ المحرم فكان يحله عاما ويحرمه عاما ، فكان إذا حرمه كانت ثلاث حرمات متواليات وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم صلوات الله عليه ، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ العدة ، يقول : قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهرا إلا قد حرمت مكانه شهرا ، فحج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عاد المحرم إلى ما كان عليه في الأصل ، فأنزل الله تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) ، فأخبر الله أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر ، لأن الزيادة في الكفر لا تكون إلا كفرا ، لاستحلالهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله ، فكان القوم كفارا باعتقادهم الشرك ثم ازدادوا كفرا بالنسيء " . باب فرض النفير والجهاد قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) ، إلى قوله : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) . اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من لم يستنفر ، وقال في آية بعدها : ( انفروا خفافا وثقالا ) . فأوجب النفير مطلقا غير مقيد بشرط الاستنفار ، فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له . وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا أبو اليمان وحجاج ، كلاهما عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة وابن أبي بلال عن أبي راشد الحبراني ، أنه وافى المقداد بن الأسود وهو يجهز ، قال : فقلت : يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك ، أو قال : قد عذرك الله يعني في القعود عن الغزو ، فقال : أتت علينا سورة براءة : ( انفروا خفافا وثقالا ) . قال أبو عبيد : وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين : أن أبا أيوب شهد بدرا